انتقل إلى المحتوى

نساء الخلفاء (دار المعارف، 1950)/بوران بنت الحسن بن سهل وزير المأمون

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: دار المعارف (1950)، الصفحات ٦٧–٧٨
 

– بُوْران[١] بنت الحسن بن سَهْل وزير المأمون

ذكر أبو بكر محمد بن يحيى الصولي أَنَّ اسمها خديجة وتعرف ببوران. ذكر أبو جعفر بن جرير الطبرى أنَّ المأمون تزوجها في سنة اثنتين ومائتين وبنى بها في شهر رمضان من سنة عشر ومائتين بفم الصلح، فلما دخل عليها نشرت عليها جَدَّتها ألف دُرَّة كانت في صينية ذهب. فأمر المأمون أن تُجمَع، فَجُمِعَتْ كما كانت في الطَّبَق، ووضعها في حِجْر بوران وقال : هذه نِحْلتُك[٢] واسألي حوائجك. فقالت لها جدتها : كلمى سيدى واسأليه حوائجك فقد أمرك. فسألته الرضا عن إبراهيم (۱۳) ابن المهدى، فقال : قد فَعَلْتُ. وسألته الإذن لأم جعفر [ زُبيدة ] في الحج، فأذن لها، وألبستها أم جَعْفَر البَدَنَةَ[٣] الأُموية. وابتنى بها ٦٨ من ليلته. وأُوقِدَ في تلك الليلة شَمَعَةٌ عَنْبرَ فيها أربعون منا في تَوْر ذهب . وأقام المأمون عند الحسن بن سهل سبعة عشر يوماً ، يُعد له و و الحسن في كل يوم ولجميع من معه ما يحتاجون إليه ، وخلع الحسن على القواد ، على مراتبهم ، وحملهم ووصلهم ، وكان مبلغ النفقة عليهم خمسين ألف ألف درهم . وأمر المأمون بعد انصرافه أن يدفع إلى الحسن عشرة آلاف دينار () من مال فارس ، وأقطعه الصلح ، فحُمِلَتْ إليه على المكان ، وكانت مُعَدَّة ، فجلس الحسن ففرقها في قواده وأصحابه (١٤ و وحشمه وخدمه . = الإسلام مثلها ومثل الحب الذي كان فيها . وكان فى ظهرها وصدرها خطان من ياقوت أحمر وباقيها من الدر الكبار الذى ليس مثله » . « ص ۱۰۰ ) وقد ذكر هذه البدنة التجاني في تحفة العروس ومتعة النفوس نقلا من تاريخ بغداد لأحمد بن أبي طاهر المذكور ) نسخة مكتبة الأوقاف ببغداد ٣٦٧ للورقة ٢٢ ، وجاء ذكرها في كتاب ( مطالع البدور في منازل السرور» . ( ص ۱۲۹) وللبدنات الجوهر ذكر في المنتظم ( ۱ : ۲۷ ، ومرآة الزمان و مختصر ج ص ۱۲۰ ) ونهاية الأرب ( ١٤ : ٤١ ) . وكانت البدنة أيضا ضرباً من ثياب الخلفاء بمصر و خريدة القصر ، القسم المصرى ٢ : ٨٥ ، وصبح الأعشى ٣٠ : ٤٩٨ ) . (۱) قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد في الكامل : « وحدثني الحسن ابن رجاء قال : قدم علينا على بن جبلة إلى عسكر الحسن بن سهل ، والمأمون هناك بانيا على خديجة بنت الحسن بن سهل المعروفة ببوران ، قال الحسن ونحن إذ ذاك تجرى على نيف وسبعين ألف ملاح ، وكان الحسن بن سهل يسهر مع المأمون وكان المأمون يتصبح ، فيجلس الحسن للناس إلى وقت انتباهه ه طبعة الدلجمونى الأزهرى ١ : ٢١٦ » . والمراد الإشارة إلى كثرة الملاحين . (۲) هكذا ورد ما في النسخة ، وفى أخبار بغداد المقدم ذكره . وأمر المأمون غسان بن عباد عند منصرفه أن يدفع إلى الحسن عشرة آلاف ألف من مال فارس وأقطعه الصلح ) . يعنى من الدراهم ، وهذا هو المعقول المقبول ... ٦٩ وذكر أحمد بن الحسن بن سهل قال : كان أهلنا يتحدثون أن الحسن ابن سهل كتب رقاعاً فيها أسماء ضياعه ، ونثرها على القواد وعلى بني هاشم فمن وقعت في يده رقعة منها فيها اسم ضيعة بعث فتسلمها . وذكر أبو عبد الله الجَهْشِيارى أن عبد الواحد بن محمد حدثه عن على بن سهل بن أبان مولى الحسن بن سهل قال : نثر الحسن يوم الإملاك بنادق المنبر ، فاستبرد الناس ذلك ، فأمر بكسرها واستخراج ما فيها ، ووكل بكل من النقط رجُلا يوفيه ما في بندقته ، فلما كسرت البنادق وجد فيها رقاع ، فقبض كل من وجد رقعة ما فيها £ من عقار أو غيره ، فقال إبراهيم بن العباس : ليهنيك أَصْهَارٌ أُذِلَّتْ بِعِزّها خُدُودٌ ) وجَدَّ عَنَ الأُنوف الرواغما بها الشملين من آل هاشم وحزت بها للكسروى المكارما بَنُوكَ بها آل انتي ووارو (۳) الـ خلافة والحاذُونَ كسرى وهاشما الأدباء ( ۱ ) لم نجد هذا الخبر فى المطبوع من كتاب ( الوزراء والكتاب» للجهشياري والمطبوع ناقص كما هو معلوم ، وكذلك القول في أخبار نقلت منه في معجم ( ٥ : ٤٥٦ ) و ( ٦ : ۸۸ ) وفى معجم البلدان مادة « ماذرايا » وبدائع البدائه ص ۲۷ ، ۸۳ ) والتاريخ المجدد لمدينة السلام لابن النجار ، نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق ( الورقة ٩٠ ، ١١٤ » . وسيأتى خبر آخر في « ص ۷۰ » . (۲) في الأصل ( جدود ( ولا نراه مناسباً للمقام ، لأن الخدود المصعرة هي التي تذل (۳) في الأصل ( وأورثوا ( وهو غير موافق للمعنى المراد ، لأن الصولى أراد أن أحفاده المرجوى الولادة من ابنته بوران والمأمون هم من أبناء آل النبي و روى الصولى عن عون بن محمد قال حدثني عبدالله بن أبي سهل فال : لما بنى المأمون على بوران بنت الحسن بن سهل وانحدر إليهم إلى ناحية واسط فرش يوم البناء حصير من ذهب مسفوف ونير عليه جوهر كثير فجعل بياض الدُّرِّ يُشرق على صفرة الذهب ، وما مَسَّهُ أحد ، فوجه الحسن إلى المأمون « هذا نِثارٌ ونُحِبُّ أَنْ يُلقط » . فقال المأمون لمن (10) حوله من بنات الخلفاء : « شَرَّفْنَ أَبا محمد » . فمدَّت كل واحدة منهن يدها فأخذت دُرَّة ، وبقى باقى الدر يلوح على الحصير الذهب . فقال المأمون : قاتل الله أبا نواس، لقد شبه بشيء ما رآه قط ، فأَحسَن في وصف الخمر والحباب الذي فوقها فقال : كان شعرى و كبرى من فقاقيعها حصباء در على أرض من الذهب فكيف لو رآه مُعاينة ؟ وكان أبو نواس في هذا الوقت قدمات . وحدث أبو على الكوكي قال : حدثني أبو الفضل الربعي عن أبيه قال : لما تزوج المأمون بوران ابنة الحسن بن سهل أراد أن يفتقها فلما (۱) كاد حاضت فقالت : « أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ، فَفَهِم الأمون (هاظ) قولها ، فوثب عنها . ذكر الجهشيارى ( أَنَّ أبا عبد الله بن حمدون ذكر أن بوران (۱) سورة النحل ، الآية ( ۱ ) . ( ۲ ) لم نجد كذلك هذا الخبر فى المطبوع من كتاب الوزراء والكتاب للجهشياري المذكور وما أكثر المفقود منه !! ۷۱ بنت الحسن قالت ترثى المأمون : أَسْعداني على البكا مُقْلَتَيَّا صِرتُ بعد الإمام للهم فَيًّا كنت أسطو على الزمان فلما مات صار الزمانُ يَسطو عَلَيَّا ذكر هلال بن المحسن الكاتب أن بوران بنت الحسن بن سهل ولدت ليلة الإثنين لليلتين خَلَتا من صفر سنة اثنتين وتسعين ومائة . وذكر عبيد الله بن أحمد بن أبى طاهر أنَّ بوران توفيت يوما لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة إحدى وسبعين ومائتين، وقد الثلاثاء بلغت من السن ثمانين سنة . قلت : وكانت وفاتها ببغداد لأنها كانت تسكن بالقصر الحسنى المنسوب إلى أبيها الحسن بن سهل ، وهذا القصر (١٦ و) خالد كان أولا يُسمّى القصر الجعفرى نسبة إلى جعفر بن يحي بن البرمكي ، وهو أول بناء وضع في قديم الزمان بمدينة السلام ) . أخبرنى (۱) لعل المؤلف أراد : أول بناء وضع فى شرقى بغداد الذي عرف بدار الخلافة العباسية الأخيرة ، قال الخطيب البغدادى فى تاریخ بغداد : « ذکر دار الخلافة والقصر الحسنى والتاج : حدثنى أبو الحسين هلال بن المحسن قال : كانت دار الخلافة التي على شاطئ دجلة تحت نهر معلى قديما للحسن بن سهل وتسمى القصر الحسنى ، فلما توفى صارت لبوران بنته فاستنزلها المعتضد بالله عنها (( . . . ۱ : ۹۹ » وقال في - ص ۹۸

. . . )) 1 . وأما شاطئ دجلة من الجانب الشرقي فأوله بناء الحسن بن سهل وهو قصر الخليفة فى هذا الوقت » . وورد قريب من ذلك في مختصر مناقب بغداد » ص ١٥ ) وجاء فيه ( واستنزلها عنها المعتضد وقيل المعتمد ، والصحيح أنه المعتمد لأنها لم تعش إلى خلافة المعتضد وأولها سنة ه ۲۷۹ هـ ، ولأن المعتمد هو الذى نقل قرار الخلافة من سامرا إلى بغداد . . ۷۲ أبو القاسم على(۱) بن عبد الرحمن بن على إذنا عن أبي محمد (۳) عبد الله ابن الخشاب النحوى قال حدثنا أبو القاسم الربعي أخبرنا أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي أخبرنا أبو على الأزدي حدثنا أبو جز (۳) قال حدثنا (٤) أبو العيناء قال (4) : كان جعفر بن يحي البرمكي شديد الشغف بالإخوان ، كثير المحبة للقيان ، قد أعطى اللذات قياده ، وجَعَل مواسم القصف واللهو أعياده ، (۱) قال ابن الدبيثى فى تاريخه : ( على بن عبد الرحمن بن على بن محمد ابن علي بن الجوزى أبو القاسم بن شيخنا أبي الفرج بن أبي الحسن الواعظ سمع بإفادة أبيه في صباه وبنفسه من جماعة . وتكلم في الوعظ ثم تركه ، سمعنا منه . . . سمعت أبا القاسم بن الجوزى يقول : مولدى في شوال سنة إحدى وخمسين وخمسمائة » . نسخة كمبريج ٢٩٢٤ الورقة ١٤٤ ) وتوفى سنة ( ٦٣٠ ) كما في التكملة لوفيات النقلة ( نسخة مكتبة البلدية بالإسكندرية ، ج ١ ص ١٣٤ ) وكما فى البداية والنهاية فى حوادث هذه السنة وكما فى الشذرات « ٥ : ١٣٧ » . الخشاب » وذلك خطأ بن عبد الله بن " عن محمد ، وهو ( ۲ ) في الأصل النحوى الأديب المشهور ، توفى سنة ( ٥٦٧ ) كما في المنتظم وخريدة القصر للعماد الأدباء ومرآة الزمان والكامل وإنباه الرواة للقفطى والمستفاد من الأصفهاني ومعجم ذيل تاريخ بغداد ووفيات الأعيان وتاريخ أبي الفداء وتاريخ اليافعي وذيل طبقات الحنابلة والنجوم الزاهرة وبغية الوعاة والشذرات . (۳) كذا ورد في الأصل وفيه نقصان أو تصحيف ( ٤ ) ذكر ياقوت الحموي في مادة ( التاج » من معجم البلدان شبيها بهذا الخبر من غير إسناد ، وكان القصر الحسنى والتاج وقصور دار الخلافة الأخرى ومرافقها في الشارع المعروف اليوم بشارع المستنصر بالله في بغداد الشرقية وقبل ذلك عرف بشارع النهر أى نهر دجلة ، ولم يبق أثر من كل ذلك ولا طلل لاستهداف تلك الأبنية للرطوبة والغرق ولكون أكثرها مبنياً بالآجر أى الطوب . ۷۳ وكثر ذلك منه، واشتهر عنه، وتكلم الأعداء فيه بسببه، فخلا به والده ، وأنكر عليه فعله وقال له : إذا لم تكن لك قدرة على الاستتار في (١٦) لهوك وشربك ، والكتم لمجالس أنسك ولعبك ، فاتخذ لنفسك قصرا بالجانب الشرقي ، تجمع فيه ندماءك وقيانك، وتقطع معهم زمانك ، وتبعد عن أعين العامة ، وتخفى أمورك على أكثر الخاصة، ويقل القول فيك ، وينقطع الكلام عنك ، ويكون أصلح لشانك عند سلطانك فعمد جعفر إلى الجانب الشرقي واتخذ به قصرا شيد بناءه ، وأوسعَ فناءه وفضاءه ، واتخذ فيه بستانا ذا رياض خصبة مريعة ، وغرس به من أنواع الشجر ما يثمر بكل ثمرة بديعة ، وبالغ في إنفاق الأموال ، جمع الصناع والرجال ، فلما قارب الفراغ من بنائه ، صار إليه ومعه (١٧) أصحابه ، وفيهم مؤنس بن عمران ، وكان عاقلا لبيبا كاملاً ، فطاف به . ، واستحسنه ، وقال من حضر من أصحابه في ذلك فأكثروا القول ومؤنس ساكت، فقال له جعفر : مالك لا تتكلم ؟ قال : فيماذا ؟ قال : فيما قال أصحابنا . قال : كفاني قولهم ولا زيادة فيه . وكان جعفر ذكيّا، فعلم أنَّ تحت قول مؤنس معنى ، فقال : وأنت أيضًا فَقُلْ . قال : هو ما قالوا . قال : أقسمت عليك لَتَقُولَنَّ . فقال له : إذ أَبَيْتَ إلا أن أقول فتصبر على الحق ؟ قال : نعم . قال : أريد حلوة . فلما قال : أُطيل فيما أقول : أو أختصر؟ قال : بل أختصر خلا قال أسألك إن خرجت الساعة فمررت بدار لبعض أصحابك تشبه دارك ٧٤ (۱۷) هذه أو تقاربها ما كنت صانعاً أو قائلاً ؟ قال : قد فهمت فما الرأى ؟ قال : هو رأى إن أخرته عن ساعتك هذه فات . قال : وما هو ؟ قال : لست أشك فى أنَّ أمير المؤمنين قد طلبك وسأل عن خبرك فَخُبر أنك قد ركبت إلى قصرك فَضَحِرَ من تأخرك ، فأَطِل اللبت ها هنا ثم امضِ إليه من فورك ، وعليك أثرُ الغُبار، فإذا سألك عن حالك فقل : صِرتُ إلى القصر الذي بنيته للمأمون . ثم أتبع ذلك من القول بما وستين أنت أعلم به . قال : وكان جعفر قد اتخذ في هذا القصر ثلاثمائة مَرْفِقَا ما بين مجلس ومستشرف وحجرة وخيش وخزانة ، وكتب إلى كل ناحية بأن يتخذ لكل مقصورة فرش على مقادير أبنيتها. وكان (18) القول قد كثر جدا في ذلك البناء وما كتب في استعماله من الفرش له ، فأقام جفر فى القصر هنيأة ثم مضى من فوره فدخل على الرشيد فسأله عن خبرِهِ ومِن أين جاء ؟ قال : كنت في القصر الذي اتخذته لمولاى المأمون بالجانب الشرقى على دجلة . فقال له الرشيد : أَو للمأمون بنيته ؟ فقال : نعم فإنك يا أمير المؤمنين في ليلة ولادته شرفتنى بأن جعلته في حجرى قبل جَعله فى حجرك واستخدمتنى له وعرفتُ مَحَلَّه من قلبك فدعانى ذلك إلى أن اتخذت له هذا القصر بالجانب الشرقي ، في موضع معتدل الهواء ، طيب الثراء ، ما بين رياض زاهرة ، ومياه جارية ، بعيداً من أصوات الناس والدخاخين المؤذية ، والروائح المنتنة، ليسكنه (۶۱۸) حَواضِنَهُ وداياته، وجواريه وقهرماناته ، فيصح بذلك مِزاجه ، ويتم نشوؤه ، ويصفو ذهنه ، ويذكو قلبه ، Vo وينمو لبه ، ويُضيء فهمه ، ويحسن لونه ، ويزيد جسمه ، ومع ذلك فإنَّني قد كتبت إلى النواحي جميعا في اتخاذ فَرْش لهذا البناء على مقاديره ، وبقى شيء لم يتهيأ اتخاذه إلى الآن، وقد عولنا على خزائن أمير المؤمنين، إما عارية أو هبة . قال : بل هبة . وأَسْفَر إليه، وأقبل وجهه عليه ، وقال : أبى [ الله ] أن يُقال عنك إلا ما هو لك، وأن يُطعن فيك ، إلا بما يرفعك ويُعليك ، ووالله لاسكنه أحد سواك ولا تمم ما يعوزه من المفارش إلا من خزائننا وزال من نفس الرشيد بتلك الفعلة ما كان حمل عليه من السعايات، وظفر بالقصر وانقطعت الأقاويل عنه، ولم يزل جعفر يتردد إليه فى كل أوقات أفراحه ؛ وتنزهه ومراحه ، إلى حين (١٩) واقعتهم، وانقضاء دولتهم ، وإلى حينئذ كان يسمى القصر الجعفرى . ذكر انتقال هذا القصر وكيف صار إلى المأمون وما أضاف إليه من الأبنية ذكر بعضهم أن هذا القصر صار إلى المأمون، وكان من أكمل القصور وأبهاها ، وأحب المواضع إليه وأشهاها ، لإطلاله على دجلة وكماله في النظر ، واشتماله بالروض والشجر ، واكتسائه بالنور المشرق النائر، والزهر المونق الزاهر؛ فنزل بساحته ، وحَلَّ به حُبي راحتِهِ ، وجَرَّر على رياضه ذيوله ، وطارد في ميدان سروره خيوله ، ملتذا بسكناه ، معتدا بهواه ، وصار منزل صيده وقنصه ، ومَحَلَّ نُزهه وفُرَصِه ، واقتطع جملة (۱۹) من البرية ، فعملت ميداناً لركض الغلمان ، واللعب بالكرة والصولجان ، وحَيْرًا (۱) لجمع الوحوش فى أوقات تصيده ، وفتح له باباً شرقيا إلى جانب البر ، واتخذ على أعلاه منظرة تشرف على مَرام واسعة لِمَنْ عساه يصِلُ من طريق خُراسان) ، ونواحي همذان وأذربيجان . وأجرى على ذلك الباب نهراً ساقه من نهر المعلى، وابتنى عليه وقريباً منه منازل برسم خاصته وأصحابه وحاشيته سميت المأمونية ( وهى الآن محلة الشارع الأعظم بين عقدى المصطنع ) والزرادين) (٤) (۱) الخير عند القدماء هو ما يسمى اليوم ( حديقة الحيوانات ) . (۲) طريق خراسان فى جغرافية العراق القديمة ، هي الكورة الشرقية من وسط العراق ومنها حلوان وبعقوبا والبندبنجين وخانقين وقصر شيرين وقصر قضاعة ودسكرة الملك وشهرابان ، وبوهرز و براز الروز وغيرها ، وتسمى اليوم «لواء ديالى ولم يبق من التسمية إلا نهر خريسان وهو نهر بعقوبا المعروف قديماً بنهر جلولا . (۳) قال ياقوت في معجم البلدان : « المأمونية : منسوبة إلى المأمون أمير المؤمنين عبد الله بن هارون الرشيد وقد ذكرت سبب استحداث هذه المحلة في ( التاج ) والقصر الحسنى ، وهى محلة كبيرة طويلة عريضة ببغداد بين نهر المعلى وباب الأزج عامرة آهلة » . قلت المأمونية كانت فى أرض المحلات : الدهانة والهيتاويين وعقد القشل والسريدان وصبابيع الآل الحالية من بغداد الشرقية الحالية . . ( ٤ ) هو الشارع الكبير الذى يطر الجانب الشرقي ويعرف اليوم بعقد القشل. ( ٥ ) عقد المصطنع ذكره ياقوت الحموي في الكلام على « قراح » من معجم البلدان قال : ( . . وذلك أنك تخرج من رحبة جامع القصر مشرقا حتى تتجاوز عقد المصطنع وهو باب عظيم فى وسط المدينة فهناك طريقان أحدهما يأخذ ذات اليمين إلى ناحية المأمونية وباب الأزج والآخر يأخذ ذات الشمال .... = (۱۲۰) ۷۷ ذكر انتقال هذا القصر إلى الحسن بن سهل و اشتهاره به وما زاد فيه من الأبنية المأمون كان المأمون بخراسان مع والده ، فلما توفى والده هناك بويع بخراسان وبويع أخوه الأمين ببغداد . وجرت الين العظيمة إلى أن قتل الأمين - رحمة الله عليه - . فلما وصل البريد بخبر قتله إلى المأمون أرسل الحسن بن سهل خليفة له على العراق، لتدبير الأمور بها ، فوردها بعد انقضاء فتنة الأمين في سنة ثمان وتسعين ومائة ونزل القصر المأمونى المذكور ، وتزوج المأمون = والمصطنع الذي أضيف إليه العقد هو أبو نصر منصور بن طاس الديلمي ثم البغدادي الحاجب ، استحجبه الخليفة القادر بالله ولقبه المصطنع في ذى الحجة سنة ( ٤١٠ ) وخلع عليه السيف والمنطقة والسوار. وكان من أرباب المروآت الظاهرة ، جميل المنظر ، حسن المحضر ، محباً لقضاء الحوائج ، بقى في الحجابة إلى عهد الخليفة القائم بأمر الله ، وكان قد عمر داراً عند العقد المذكور ، الألقاب لابن الفوطى ج ٥ . معجم وتوفى في جمادى الآخرة سنة ( ٤٣٤ ) تلخيص الترجمة ٤ و ١١ ) . ويعرف موضع العقد اليوم بقاضي الحاجات ، فلعل قضاءه للحاجات أبقى له هذا الاسم الكريم . (٦) في الأصل ) الرزازين ( جمع الرزاز بائع الأرز وهو تصحيف الزرادين » أى باعة الزرديات لنوع من الدروع أو الزرد وهو الدرع المزرودة يتداخل بعضها في بعض ، والتصحيح من معجم البلدان ، والمنتظم « ۱٠ : ۲۲۹ ) وكتاب الحوادث الذى سميناه الحوادث الجامعة ( ص ٢٠٥ ) ومنتخب المختار من ذیل تاريخ ابن النجار لتقى الدين الفاسي ( ص ۲۰۹ » . واشتهرت مقبرة الزرادين في التاريخ وهي اليوم محلة سراج الدين بشرقي بغداد VA بوران بنت الحسن بن سهل بمرو بولاية عمها الفضل بن سهل . فلما قدم المأمون من خراسان في يوم السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من صفر من سنة أربع ومائتين دخل إلى قصر الخلافة بالخلد بالجانب الغربي فسكنه ، وبقى (٢٠) الحسن بن سهل مقيها بالقصر المأمونى إلى أن مجمل عرس بوران بغم الصلح ونقلت إلى بغداد وأُنزلت بالقصر ، وطلبه الحسن من المأمون فكتبه له ، ومذ ذلك الوقت أضاف إليه ما حوله ، وغلب اسم الحسن عليه ، وعُرف به ونسب إليه . ذكر أحمد بن أبى طاهر في كتاب بغداد قال حدثني بعض مشايخنا قال : لما بنى الحسن بن سهل قصره هذا جعل بين سوره وبين شط (۱) دجلة فضاء كثيراً ، فقيل له : لو جعلته راكباً على دجلة كان أحسن . فقال ما أنا والنزهة والإشراف إلى دجلة ؟ إنما يفعل هذا أهل الفراغ والبطالة ونحن عن النزهة في شغل . ثم ابتاع الموفق بالله هذا القصر ونزله ثم هدمه المعتضد بن الموفق وبناه وزاد فيه (۲۱) ومدَّه إلى حد نهر بين، ونزله المكتفى . (۲) في الأصل ( وسط ) وهو من تحريف النساخ ونظن أن الأصل « بين سوره وشط دجلة ) فزاد الناسخ « بين ) وصارت ( وسط ) بذلك وسطا .


  1. تقدم ذكرها فى سيرة عريب « ص ٦١ » وذكرنا هناك مظان ترجمتها.
  2. قال الجوهري في الصحاح : « ونحلتُ المرأة مهرها عن طيب نفس من غير طلبة أنحلها، ويقال : من غير أن تأخذ عوضاً. يقال : أعطاها مهرها نحلة بالكسر. وقال أبو عمرو : هي التسمية وهى أن يقول : نحلتك كذا وكذا. فيحد الصداق ويبينه ».
  3. هذا قول أحمد بن أبى طاهر في أخبار بغداد « ص ١١٥ » وقول أبي جعفر الطبري بنصه ولم يذكرا حقيقة البدنة، والبدنة قميص لؤلؤ وجوهر وهى مأخوذة من البدن وهى الدرع القصيرة.
    وقد فصل أمر البدنة الشابشتي في الديارات قال في عرس الرشيد وزبيدة : وأعطاها بدنة عبدة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية امرأة هشام ولم ير فى